بسم
الله الرحمن الرحيم
الْحَقُّ أَنْطَقَهَا وَأَخْرَسَهُ
مِمَّا
يُحْكَى عَنِ الْمَأْمُونِ وَإِنْصَافِهِ أَنَّهُ جَلَسَ يَوْمًا لِلْمَظَالِمِ،
فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ عَلَيْهَا عَلَائِمُ
السَّفَرِ، فَسَلَّمَتْ فَرَدَّ عَلَيْهَا السَّلَامَ، وَسَأَلَهَا عَنْ
حَاجَتِهَا فَقَالَتْ:
يَا
خَيْرَ مُنْتَصِفٍ يُهْدَى لَهُ الرُّشْدُ ... وَيَا إِمَامًا بِهِ قَدْ أَشْرَقَ
الْبَلَدُ
تَشْكُو
إِلَيْكَ عَمِيدَ الْقَوْمِ أَرْمَلَةٌ ... عَدَا عَلَيْهَا فَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا
سَبَدُ*
وَابْتَزَّ
مِنِّي ضِيَاعِي بَعْدَ مَنْعَتِهَا ... عَمْدًا وَفُرِّقَ مِنِّي الْأَهْلُ
وَالْوَلَدُ
فَأَطْرَقَ*
الْمَأْمُونُ بُرْهَةً*، ثُمَّ قَالَ:
فِي
دُونِ مَا قُلْتِ زَالَ الصَّبْرُ وَالْجَلَدُ ... عَنِّي وَأَقْرَحَ مِنِّي
الْقَلْبَ وَالْكَبِدَ
هَذَا
أَذَانُ الْعَصْرِ فَانْصَرِفِي ... وَأَحْضِرِي الْخَصْمَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي
أَعِدُ
وَالْمَوْعِدُ
السَّبْتُ إِنْ يَقْضِ الْجُلُوسُ لَنَا ... نُنْصِفْكِ مِنْهُ وَإِلَّا
الْمَجْلِسُ الْأَحَدُ
فَلَمَّا
كَانَ الْأَحَدُ جَلَسَ فَتَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فَقَالَ لَهَا:
أَيْنَ الْخَصْمُ يَا أُمَّاهُ؟
فَقَالَتْ:
هَذَا الْوَاقِفُ عَلَى رَأْسِكَ، وَأَشَارَتْ إِلَى ابْنِهِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ
الْمَأْمُونُ لِحَاجِبِهِ:
خُذْ
بِيَدِهِ فَأَوْقِفْهُ مَعَهَا مَوْقِفَ الْخُصُومَةِ.
ثُمَّ
تَكَلَّمَتْ فَكَانَ صَوْتُهَا يَعْلُو عَلَى صَوْتِ الْأَمِيرِ!
فَقَالَ
لَهَا الْحَاجِبُ: يَا أَمَةَ اللَّهِ، اخْفِضِي صَوْتَكِ؛ فَإِنَّكِ تُكَلِّمِينَ
الْخَلِيفَةَ!
فَقَالَ
الْمَأْمُونُ: دَعْهَا، فَإِنَّ الْحَقَّ أَنْطَقَهَا وَأَخْرَسَهُ.
وَقَضَى
لَهَا بِرَدِّ ضَيْعَتِهَا*، وَدَفَعَ لَهَا نَفَقَاتِ السَّفَرِ.
..................................
من كتاب/ الأنيس في الوحدة-محمّد أديب
كلكل
*سَبَدُ:
القليل من الشيء.
*أَطْرَقَ:
سكت ولم يتكلم، أو أمال رأسه إلى صدره وأرخى بصره نحو الأرض.
*بُرْهَةً: أي سكت لحظة أو لفترة قصيرة
من الزمن ثم رد.
*ضَيْعَة:
بمعنى مزرعة أو أرض زراعية.


تعليقات
إرسال تعليق
مرحباً.. يسرنا معرفة رأيك.